أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي
318
معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب
النظام . غشي ابن مقلة « 1 » بالحيرة حتى تركه ناشف المداد ، وصير حظّ خطّه في حواشي الرقاع مشوها محيّا طاموره « 2 » بتعليق السواد . شغف بتعلّم الشعر صغيرا ، وحفظ قصائد عديدة ، وفحص عن معانيها ، وأكثر من مطالعة كتب الأدب واللغة حتى صار لذلك نحريرا . ثم أخذ يمدح الأعيان ، ويظهر من مخزونات عبابه الجمان ؛ بعض مقدمات نحوية على البرهان بن الملا . وكان إذا تكلم لا يظنه الانسان يعرف شيئا ، وكان له خط نسخي في غاية الحسن . وكان رحمه اللّه سئ الأخلاق جدا . وكان والدي أمرني أن أنظم له قصيدة ليجيبني على طبقها ، فيعلم مقداره من النظم ، فبعثت إليه قصيدة ألغزته في اسم إسرافيل مطلعها : مباديك في نظم القريض تترجم * بأنّ لك الآداب أمر مسلّم فأرسل لي الجواب صحبة إبراهيم جلبي الأنصاري ، فرأينا له النظم الفائق . وامتدح الأعيان ، وجمع ديوانا مشهورا ، وقد مدحني بعد موت والدي بقصيدة فريدة فقال : / عوفيت نضو هواك برح داؤه * ولقد يعزّ على سواك شفاؤه أنى يصور علّة قد جاوزت * أعضاء صب لا ترى أعضاؤه عبث النّحول به ، فلو جرّدته * من ثوبه لخفي عليك خفاؤه فاستبق منه بقية لم يبقها * حبّيك « 3 » وهي دموعه ودماؤه
--> ( 1 ) ابن مقلة : محمد بن علي ، شاعر أديب وزير ، يضرب في خطه المثل . ولد في بغداد سنة 272 . عانى كثيرا في حياته ، إذ تنقل بين الوزارة والسجون عدة مرات . توفي سنة 328 . - وفيات الأعيان : 2 / 61 . ( 2 ) الطامور والطومار : الصحيفة . ( 3 ) حبيك : حبيبك .